16:07 pm 9 ديسمبر 2022

الصوت العالي

كتب راسم عبيدات: لماذا هُزمنا في الانتفاضة الشعبية الأولى؟

كتب راسم عبيدات: لماذا هُزمنا في الانتفاضة الشعبية الأولى؟

رام الله – الشاهد| كتب راسم عبيدات: المفجر للانتفاضة الشعبية الأولى - انتفاضة الحجر - عام 1987، كانت عملية دهس أحد جنود جيش الكيان بشاحنته 4 عمال فلسطينيين من مخيم جباليا، في مساء 8/12/1987، ليتفجر بعدها صبيحة اليوم التالي الغضب الشعبي والجماهيري من مخيم جباليا في القطاع.. ولتمتد الانتفاضة الشعبية بلهيبها وعفويتها وزخمها الشعبي والجماهيري من القطاع الى الضفة الغربية وحتى الداخل الفلسطيني 48.

 

كانت اداة المقاومة الرئيسية لهذه الانتفاضة الحجر والمقلاع والكاوتشوك والمتراس.. الانتفاضة الشعبية اندلعت رداً على التهميش السياسي والحصار العسكري للمنظمة ولشعبنا الفلسطيني ولمقاومته، حيث تراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية،

 

وكان البعض يعتقد بأن المنظمة بلغت من الضعف بعد إخراجها من ساحة النضال الرئيسية بيروت وتشتت قيادتها وقواتها العسكرية في المنافي، وتراجع الحواضن العربية والدولية لها، قد يمكن من الطعن بشرعيتها ووحدانية تمثليها للشعب الفلسطيني، وان الفرصة مؤاتيه لفرض حلول على الشعب الفلسطيني تكرس وتشرعن الاحتلال، وتفرض الوصاية على شعبنا الفلسطيني.

 

ولكن سرعان ما نهض شعبنا وهب ليدافع عن وجوده وكل مقومات وتمظهرات هذا الوجود، حيث أمسكت القوى والفصائل السياسية بالانتفاضة، وعملت على تأطيرها وتنظيمها في إطار تنظيمي جامع وموحد لفصائل العمل الوطني الفلسطيني، في القيادة الموحدة للانتفاضة، وأذرعها المختلفة على طول وعرض مساحة الوطن وبلجانها المختلفة.

 

تلك الانتفاضة التي كان يجري توجيهها من قبل قيادة موحدة للانتفاضة من خارج الأراضي المحتلة، وقيادة الداخل تقودها ميدانيا، ترسم فعالياتها وأنشطتها وفق برنامج وطني شامل...هذه الانتفاضة التي تصاعد لهيبها بشكل غير مسبوق، والتي استخدم فيها وزير جيش الكيان في تلك الفترة رابين، ما عرف بسياسة "تكسير العظام" لكي يخمدها ويطفئ جذوتها، مع ارتفاع حصيلة عملية الاعتقالات وافتتاح سجون جديدة مثل النقب وعوفر وغيرها، وتنامي ظاهرة المطاردين وحواضنهم الشعبية.

 

فالضفة الغربية، باتت محرمة على المستوطنين، والتنقل فيها للوصول الى مستوطنات الضفة، كان يتم عبر حراسات عسكرية وسيارات عسكرية مصفحة ترافق حافلات المستوطنين، وفي فترات المساء لا يجرؤون على الخروج من "جحورهم".

 

ليس كما هو الحال اليوم بعد "كارثة" أوسلو، يهاجمون شعبنا علناً وجهراً على طول الطرق والشوارع، ولا يتورعون عن الدخول الى وسط القرى والمدن الفلسطينية. إنها "بركات" و"نعم" اوسلو المشؤوم، والذي تداعياته أخطر من تداعيات نكبة 48.

 

الانتفاضة كان لها قيادة اركان تنظيمية موحدة، وهدف محدد، وبرامج اقتصادية واجتماعية لتعزيز المقاومة والصمود، وشعار ناظم " لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة".. وكان هدفها المركزي نقل الدولة الفلسطينية من الإمكانية التاريخية الى الإمكانية الواقعية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 ،وعاصمتها القدس وضمان حق العودة للاجئي شعبنا وفق القرار الأممي (194).

 

هذه الانتفاضة الشعبية التي انخرطت فيها كل قطاعات شعبنا الفلسطيني عمال وفلاحين وطلبة ونساء وفتيات وبرجوازية وطنية وقوى وفئات معنية بالحرية والتحرر.... اتساعها وشموليتها وتصاعدها وشعبيتها، والأداة المستخدمة فيها من حجارة ومقاليع ومتاريس وكاوتشوك، ومناظر اطفال بحجارتهم يقفون أمام مدرعات ودبابات الكيان، ألحق به ضرراً سياسياً واسعاً على الصعيد العالمي، لكي تتجند جبهة عالمية واسعة مناصرة لشعبنا الفلسطيني ومجرمة لدولة الكيان متهمة اياها بالإرهاب والوحشية والعنصرية.

 

الإدارة الأمريكية ودول النظام الرسمي العربي، سعوا من أجل أن يتم إجهاض الانتفاضة وعدم امتداد مفاعليها وتداعياتها الى خارج حدود فلسطين، فهذا الامتداد وهذه التداعيات، قد تخلق حالة شعبية عربية تتصلب وتقوى وبالتالي تصبح خطر على عروش النظام الرسمي العربي، وبما يشكله من تهديد مباشر للمصالح والأهداف الأمريكية في المنطقة.

 

ولذلك جاءت المبادرة الأمريكية، بقيادة وزير خارجيتها آنذاك جورج شولتز ومن ثم بيكر مع وفد فلسطيني من الداخل، مبادرة تستهدف الالتفاف على مطالب الانتفاضة وإجهاضها، وكان واضحاً بأن وفد الداخل الفلسطيني، أبدى موقفاً متصلباً تجاه قضايا الاستيطان والأسرى وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

 

وفي الموازاة كانت دول النظام الرسمي العربي تمارس ضغوط جدية على قيادة المنظمة وخاصة الفريق المتنفذ فيها، من أجل تسلم القيادة وعدم تركها لوفد وقيادة الداخل، أي من داخل فلسطين، فهذا من شأنه ان يزيح القيادة الحالية للمنظمة عن المشهد والقيادة.

 

وذلك عملت القيادة المتنفذة مع دول النظام الرسمي العربي، وخاصة بعد انهيار الحاضنتين القومية والأممية، العدوان الأمريكي على العراق، بعد فخ محكم امريكي- رسمي عربي، بدفعه لغزو الكويت من أجل تدمير قدراته وإمكانياته العسكرية، وتفكيك جغرافيته، وكذلك سقوط الاتحاد السوفياتي، وتفكك الكتلة الاشتراكية، وتسيد امريكا كقطب واحد، أصبحت بمثابة الشرطي الوحيد للعالم.

 

القيادة المتنفذة التي تتعرض لضغوط كبيرة من قبل النظام الرسمي العربي، لوقف الانتفاضة، وانحيازها الى مصالحها، وان لا تقود التطورات الى إزاحتها عن دفة القيادة والمشهد السياسي الفلسطيني، دفع بها للموافقة على مؤتمر مدريد ل" السلام" ومن ثم الولوج في اتفاقية أوسلو الانتقالية.

 

وبالمناسبة رئيس وزراء الكيان آنذاك اسحق شامير قال " ما المانع من مفاوضات الفلسطينيين والعرب عشرين عاماً دون اعطائهم شيء"، وبالفعل صارت الأمور كما خطط لها أمريكا والكيان ودول النظام الرسمي العربي، التي تخشى الدولة الفلسطينية أكثر من خشية الكيان لها، فكانت اتفاقية أوسلو الانتقالية الكارثية، أيلول/ 1993، والتي تداعياتها أخطر من تداعيات النكبة عام 48، حيث وصف ثعلب السياسة للكيان شمعون بيرس، تلك الاتفاقية بأنها بمثابة النصر الثاني لدولة الكيان بعد النكبة.

 

هذه الكارثة التي ندفع ثمنها حتى اليوم العديد من النكبات، وتقسيم الشعب والأرض والمجتمع، والمزيد من " التغول" و"التوحش" على حقوق شعبنا، حيث ابتلاع الأرض لم يتوقف، وكذلك السعي لحسم مصير مدينة القدس.

 

نعم نجحت دولة الكيان ومعها امريكا وقوى الاستعمار الغربي ودول النظام الرسمي العربي، بالتعاون والتقاء المصالح مع الفريق المتنفذ في منظمة التحرير الفلسطينية، في إجهاض أعظم وأطول ملحمة بطولية في التاريخ، عمدت بدماء أكثر من 1550 شهيدا وحوالي 70 ألف جريح،30% منهم عانوا من اعاقات دائمة.. ناهيك عن أكثر من 200 ألف معتقل .

 

ورغم كل الوضوح والانكشاف وبعد مرور 35 عاماً على الانتفاضة الأولى، ما زال البعض يعيش في أوهامه ويغط في نومه ويغرق احلامه وانفصاله عن الواقع، بأن ما يعرف بالشرعية الدولية ستجلب له حقوقاً وتعيد له الأرض، لكي يقيم عليها ما يسمى بحل الدولتين، الذي قبرته دولة الكيان الى الأبد.